أحمد بن علي القلقشندي
212
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
وإلى قول طرفة : لعمرك إنّ الموت ما أخطأ الفتى لكالطَّول ( 1 ) المرخى وثنياه في اليد وإلى قوله : ستبدي لك الأيّام ما كنت جاهلا ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد وإلى قوله الحطيئة : من يفعل الخير لا يعدم جوازيه لا يذهب العرف بين اللَّه والناس فإنك تجد هذه الأشعار في الطبقة العليا من البلاغة ، وإن خلت من المبالغة ؛ والذي يدل على أن مذهب أكثر الفحول ترجيح الصّدق في أشعارهم على الكذب ما روي عن الحرورية امرأة عمران بن حطَّان قاضي الصّفريّة من الخوارج أنها قالت له يوما : أنت أعطيت اللَّه تعالى عهدا ألَّا تكذب في شعرك ، فكيف قلت : فهناك مجزأة ( 2 ) بن ثور كان أشجع من أسامة ( 3 ) ؟ فقال : يا هذه ، إن هذا الرجل فتح مدينة وحده وما سمعت بأسد فتح مدينة قط ، وهذا حسان يقول : وإنما الشعر لبّ المرء يعرضه على المجالس ، إن كيسا وإن حمقا وإنّ أشعر بيت أنت قائله بيت يقال إذا أنشدته صدقا على أن هؤلاء الفحول وإن رجّحوا هذا المذهب لا يكرهون ضدّه ، ولا يجحدون فضله ، وقلَّما تخلو بعض أشعارهم منه ؛ إلا أن توخّي الصدق كان الغالب
--> ( 1 ) الطَّول : حبل طويل تشدّ به قائمة الدابة . ( اللسان : 11 / 413 ) . ( 2 ) صحابي شجاع ، فتح مدينة « تستر » . قتل سنة 20 ه عند سور مدينة تستر التي دخلها أصحابه . ( الأعلام : 5 / 279 ) . ( 3 ) أسامة : من أسماء الأسد . وأسامة بن زيد بن حارثة الصحابي المشهور .